Skip to main content

Full text of "دور الدولة العثمانية في نشـر المذهب الحنفي في أفريقيا بدر إبراهيم أحمد فراج"

See other formats


دور الدولة العشمانية في نشر 
المذدهب الحنفي في إفريقيا 


بدر إبراهيم أحمد فراج* 

المقدمة 

يتناول البحث ثلاثة عناصرء وهي [ ماهية المذهب الحنفي »التعريف بالدولة العثمانية» 
الأمصار التي تمذهبت بالحنفية]ء مما يجعلنا نقدم بتعريف للمذهب الحنفي وجغرافيته على مر العصورء 
ثم أصل الجنس العثماني وتطورهم السياسي حتى قيام الدولة العثمانيةء ثم القسم الإفريقي الذي وقع تحت 
وطأة الحكم العثماني وتأثر بالمذهب الحنفي - المذهب الرسمي للدولة » في محاولة لتوضيح أسباب تأثر 
الدولة العثمانية بالمذهب الحنفي وجعله المذهب الرسمي للبلاد دون المذاهب الأخرى» وكذلك النتائج 
التي ترتبت على ذلك على الجانبين سواء العثمانيء أو الأفريقيء 
وفي حقيقة الأمر موضوع البحث هذا تم تناوله في دارسات سابقة» ولكن بصورة متفرقة» سواء في كتب 
التاريخ التي تناولت العهد العثماني كجزء من التاريخ الإسلامي» أو ما يتعلق بنشأة المذهب الحنفي 
وامتداده الجغرافي على مر العصورء ولكني في هذا البحث قمت أوصال الموضوع بعضه ببعضء» 
بتقديم بعض الاستنتاجات التي ترتبت على بعض الأحداث والإجراءات التي اتخذتها الدولة العثمانية في 
ولاياتها بالقارة الإفريقية » لنخرج في النهاية إلى أن العلاقات التركية الإفريقية هي علاقات ذات جذور 
تاريخية في مختلف الجوانب سواء السياسية أو الاقتصادية» أو الدينية» أو الفكرية أوالثقافية. وإثبات مدى 
أهمية هذه العلاقة من خلال جانب من الجوانب» هو دور العثمانيين في نشر المذهب الحنفي في تلك 
المناطق في فترة وقوعها تحت حكمه. 
أولا : ماهية المذهب الحنفي: 
1 - نشأة المذهب: 

يرجع المذهب الحنفي في نشأته إلى الإمام أبي حنيفة النعمان'» الذي اشتغل أولا بعلم الكلام؛ 
وبعد أن قطع فيه دهراء انتقل إلى الاشتغال بالفقه » فكان لعلم الكلام عليه أكبر الأثر؛ من قوة الحجة 
والاستدلال والقياس» حتى أن الإمام مالك قال: رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا 


* باحث في التاريخ الإسلامي -جامعة الإسكندرية- مصر 

أ أبو حنيفة النعمان بن ثابت» ولد سنة ثمانين ومات ببغداد سنة خمسين ومائة » وهو ابن سبعين سنة» وأخذ الفقه عن 
حماد بن أبي سليمان (أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازيء طبقات الفقهاء » تحقيق إحسان عباس » دار الرائد 
العربي» بيروت - لبنان ٠»‏ الطبعة: الأولى» 0 .ص86 ) 


53 


لقامت حجته بذلك » وقد أثر عاملان في فقه أبي حنيفة» مما جعله رائدا لمدرسة الرأي والأخذ بالقياس» 
أولاهما: نشأة اتجاه في الفقه يعتمد على الرأي والنظر في الاستدلال على الأحكام» بل أخذ هذا الاتجاه 
في فرض مسائل ليست في الواقع وإيجاد الحلول الفقهية لهاء وكان على رأس هذا الاتجاه إيراهيم 
النخعي”» وهو شيخ حماد بن أبي سليمان” شيخ الإمام أبي حنيفةء والذي تأثر بهذا الاتجاه من شيخه 
حماد“ ثانيهما: أن أبا حنيفة كان تاجرا يبيع نسيج الصوف أو الخزة, فأكسبته مهارته العملية براعة في 
الاجتهاد الفقهي» خاصة فيما يتعلق بالمعاملات وغيرها من أبواب الفقه؟. 
اختلف أبو حنيفة في منحاه الفقهي عن غيره» خاصة في التعامل مع الحديث كمصدر من 
مصادر التشريع الإسلامي» فكان لا يقبل الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا رواه 
جماعة عن جماعة - أي الحديث المتواتر - مما جعله يتوسع في القياس والاستحسان. 
2 -خصائص المذهب الحنفي: 
تميز المذهب الحنفي بمجموعة من الخصائص ميزته عن غيره من المذاهب الفقهية الأخرى › 
نذكر منها : 
أ- التشدد في قبول الحديث- خاصة حديث الآحادء والاستدلال به على الأحكام الفقهية 
ب - إعمال العقل فيما اختلف فيه بين الصحابة وغيرهم 7 


' شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبيء مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه » لجنة إحياء 
المعارف النعمانية» حيدر آباد الدكن بالهند » الطبعة: الثالثة» 1408 ه › ص31 

* إبراهيم النخعي : هو الإمام الحافظ فقيه العراق » أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس » كان مفتي أهل الكوفة في زمانه 
» وكانت مراسيله مقدمة على مراسيل الشعبي » توفي عام 96 ه ( شمس الدين الذهبي › سير أعلام النبلاء » تحقيق 
: محمد أيمن شبراوي » دار الحديث » د.ط › 1427ء / 2006م » ج5 » ص311»: 312 » 315 

3 هو حماد بن أبي سليمان » العلامة » فقيه العراق ٠‏ أبو إسماعيل بن مسلم الكوفي » مولى الأشعريين » وأصله من 
أصبهان » توفي 120ه ( شمس الدين الذهبي » سير أعلام النبلاء » ج5 > ص527) 

“ عمر سليمان الأشقر » تاريخ الفقه الإسلامي » دار النفائس » عمّان » الأردن » ط3 » 1412ه / 1992م ٠‏ 86 

* الخزاً: اسم دابّة ثم سمي الثوب المتخذ من وبره خز والمشهور' أنه الحريرء وقيل: ما نسج من الصوف والحرير (محمد 
عميم الإحسان المجددي البركتيء التعريفات الفقهية » دار الكتب العلمية › الطبعة: الأولى» 1424ه - 2003م » 
ص86 ) 

° عبد الله ربيع عبد الله محمد » أصول المذاهب الفقهية » بحث منشور ضمن موسوعة التشريع الإسلامي ٠‏ المجلس 
الأعلى للشؤون الإسلامية » القاهرة » 1427ه / 2006م» ص 68 

” روي عنه أنه قال : [إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته » فمالم أجده فيه » أخذت بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » 
والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات ٠‏ فإذا لم أجد في كتاب الله » ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه 
وسلم - أخذت بقول أصحابه من شئت » وأدع من شئت » ثم لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم » فإذا انتهى الأمر 
إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين » وسعيد بن المسيب » فلي أن أجتهد كما اجتهدوا ] ( أحمد أمين » ضحى 
الإسلام » الهيئة المصرية العامة للكتاب » ط2 » د.ت » ص 200 


94 





ج- العمل بما يسمى (الحيل الشرعية) التي أصبحت بابا واسعا من أبواب الفقه في مذهب أبي 


د - الفقه التقديري: وهو فرض أمور لم تقع» واستنباط الحكم الفقهي لهاء وقد توسع الإمام في ذلك 
> مما كان له أثر في نمو الفقه والاستنباط. 
ه- تعدد الأدلة الفقهية عند الأحناف إلى سبعةء وهي الكتاب» والسنةء والإجماعء والقياس» وأقوال 
الصحابةء والاستحسان» والعرف 
و - احتياج القرآن لبيان السنة عندهم أقل من حاجته لبيانها عند فقهاء الأثر. 
ز - التمييز بين الفرض والواجبء وبين الكراهة التنزيهية والكراهة التحريمية: وهو مخالف لما 
عليه المذاهب الأخرىء إذ الأحكام عند الجمهور خمسة وهي [الفرضء السنةء المباح»ء الكراهةء 
الحرام ] وعند الأحناف سبعةء بإضافة الواجبء والكراهة التحريمية! 
3 : جغرافية المذهب الحنفي : 
ظهر المذهب الحنفي بداية في مسقط رأس الإمام أبي حنيفة» في الكوفة» وما حولها في بلاد 
العراق من البصرة»ء وبغدادء مما أدى إلى انتشار المذهب الحنفي في تلك البلاد في هذا الوقت» هو 
اعتماد الدولة العباسية - والتي كانت عاصمتها بغداد - للمذهب الحنفي» وليس أدل على هذا من أن 
القضاة كانوا من الحنفية» وعلى رأسهم أبو يوسف ,الذي جعله الخليفة هارون الرشيد في منصب قاضي 
القضاة”» يقول ابن حزم: «مذهبان انتشرا -في بدء أمرهما- بالرياسة والسلطان: مذهب أبي حنيفة» فإنه 
لما ولي القضاء أبو يوسفء كانت القضاة من قَبَلِهِ من أقصى المشرق إلى أقصى عمل إفريقية. فكان لا 
يولي إلا أصحابه والمنتسبين لمذهبه؛ والمذهب الآخر هو المذهب المالكي”, لقد انتشر مذهب أبي حنيفة 
في البلاد منذ أن مكن له أبو يوسف بعد توليه منصب قاضي القضاة في الدولة العباسيةء وكان المذهب 
الرسمي لهاء بالإضافة لمذهب مالك في الحجاز. فلما مات مالك صار المذهب الحنفي المذهب الرسمي 
الوحيد. فانتشر في العراق وفي مشرقها من بلاد العجم: فارس وما وراء النهر (تركستان) وأفغانستان 
والهند. كما كان المذهب الرسمي لعدد من دول المشرق كدولة السلاجقةء والدولة الغزنوية قم الدولة 
العثمانية. ويمكننا القول بأن هذا ليس السبب الرئيس في جعل الدولة العباسية تتبنى المذهب الحنفي » 
وتجعله ينتشر أول أمره في العراق ٠»‏ إذ أن المذهب الحنفي كما أسلفنا يعتمد أكثر ما يعتمد على الرأي 
والقياس » وهذا بطبعه يتوافق مع مادة الحياة في العراق من تعقد الحياة الاجتماعية من حيث تعدد وتنوع 


أ فالواجب عند الحنفية ما كان بدليل ظني لا قطعي » والفرض ما كان بدليل قطعي ٠‏ والكراهة التحريمية » ما طلب 
الشارع من المكلف الكف عنه حتما بدليل ظني لا قطعي ٠‏ والكراهة التنزيهية » ما طلب الشارع الكف عنه طلبا غير 
مُلزم للمكلف 0 

7 هشام يسري العربي » جغرافية المذاهب الفقهية » د.ن » ط1 » 1426ه/ 2005م » ص4› 5 

3 شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني» نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» وذكر وزيرها لسان الدين بن 
الخطيب تحقيق: إحسان عباس »عدار صادر- بيروت »ط1 1997 » ج2 » ص6 


55 


الأمور الاقتصادية» والجنائية» وغيرهاء مما يستلزم معه تنوع -لا جمود- في التشريع» وحياة مثل تلك 
لا يناسبها جمود مدرسة الحديث وعلى رأسها الإمام مالك بن أنس» وقد ظل المذهب الحنفيء المذهب 
الرسمي للدولة العباسية لمدة خمسة قرون' ؛ وكان لهذا المذهب الأسبقية في دخوله إلى المغرب قبل 
ظهور المذهب المالكي؛ حيث أقبل الناس عليه في بداية انتشاره خاصة في ظل الخلافة العباسية؛ ل ذلك 
شغل رجاله المناصب العلمية والسياسية في الخلافة العباسيةء”.كذلك من العوامل التي ساعدت على 
انتشار المذهب الحنفي» بعض الرحلات التجارية التي كانت من العراق إلى المغرب» وكان التجار 
يحملون معهم بعض أصول المذهب الحنفي مما شجع بعض المغاربة على التوجه إلى العراق لتلقي العلم 
على يد الإمام أبي حنيفة وتلاميذه”. ومساندة الأمراء الأغالبة لهذا المذهب ورجاله باعتباره المذهب 
الرسمي للدولة العباسيةء ويعد ذلك من مظاهر التبعية الإسمية للخلافة العباسية.“ ورغبة الأمراء أنفسهم 
في تحجيم انتشار المذهب المالكي والحد من نفوذه؛ الذي أصبح يمثل عامة الأغالبةء لكي يحدثوا نوعا 
من التوازن بين القوتين المتمثلة في العامة ومعظم فقهاء المذهب المالكي. 
ثانيا : التعريف بالدولة العثمانية 
1 - أصل العثمانيين : 

هم من الأتراك» ينتسبون إلى الجنس الأصفرء أو الجنس المغولي»ء وكان موطن الأتراك 
الأول في آسيا الوسطىء في البوادي الواقعة بين جبال آلطاي” شرقا وبحر قزوين في الغرب”» تميز 
المجتمع التركي القديم بأنه لم يكن يجّوز لأحد أفراده أن يكون عبداء أو جارية» إنما كان ذلك من خارج 
المجتمع”» أول كيان سياسي كونه الأتراك» كان دولة ( السقه)» وكانت قبل الميلاد [القرن 7- 3 ق.م]ء 
التي بسطت نفوذها على إيران» و أوروبا الشرقية» والبلقان» واستقرت أخيرا في الأناضول”؛. وتتكون 
الشعوب التركية من عدة قبائل أهمها (التتارء والكازاخ» والقرقيزء والتركمان» والأويغور» والأوزبك»› 


أ أسعد عبد الغني السيد الكفراوي » جغرافية المذاهب » بحث منشور في موسوعة التشريع الإسلامي » ص327 

* تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي ٠‏ الطبقات السنية في تراجم الحنفية » تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلوء 
د.طء مطابع الأهرامء القاهرة 1970م»ج1 ص7. 

7 حسن أحمد محمود » الإسلام والثقافة في أفريقيا » دار الفكر العربي » د.ط » 1986 م » ج1 » ص170 

* شهاب الدين السلاوي ٠‏ الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ٠‏ تحقيق: جعفر الناصريء دار الكتاب» الدار البيضاءء 
د.طء 1954م »ج1 ص 40 

7 .هي سلسلة جبال في آسيا الوسطى» حيث تلتقي روسياء الصين؛ منغولياء وكازاخستان معاء حيث منابع أنهار إيرتيش» 
وأوبي . جبال ألتاي معروفة بالموضع الأصلي للناطقين بالتركية ) wiki‏ /gثhttp://ar.wikipedia.o/(‏ 

° شفيق جحا › منير العلبكي » منير عثمان » المصور في التاريخ » دار العلم للملايين » د.ط »د.ن؛»ص114 

” يلماز أوزتونا » موسوعة تاريخ الأمبراطورية العثمانية » السياسي والحضاري والاجتماعي » ترجمة عدنان محمود 
سليمان » الدار العربية للموسوعات »› ط1 » 1431ء / 2010م »ج1 »ص18 

* يلماز أوزتزنا » المرجع السابق » ص24 › 25 


56 


والهون» والبلغارء والقبجاق» والآفارء والسلاجقةء والعثمانيين)؟» واعتنق الأتراك الإسلام زمن الدولة 
الأموية2: في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك 86ه/705م: 96ه/715م» من خلال توليته لقتيبة بن 
مسلم بلاد خرسان”» الذي استطاع بدوره أن يخضع مدن خراسان مثل بخارى وسمرقند» وغيرهما فيما 
يُعرف ببلاد ما وراء النهرء وخرسان لم تكن للفرس فقطء بل كان بها ترك وعرب أيضاء بل هي 
الموطن الأصلي للترك وكان إخضاعه للترك في تلك المناطق سنة 90ه» وكانت تلك اللحظة هي 
البداية لدخول الترك في الإسلامء وبدء الأتراك يزداد نفوذهم السياسي بعد انتقال الخلافة إلى أبي العباس 
السفاح 132ه/ 750م: 136ه / 754م - أول خلفاء الدولة العباسية - من خلال مساندتهم للدعوة 
العباسية في خرسان على حساب الأمويين؛ لأن الأمويين مارسوا ضد الأتراك في تلك المناطق التفرقة 
العنصرية» على عكس العباسيين الذين عاملوا الكل سواء بسواء الجنس العربي أو غيره“ وخاصة في 
عهد الخليفة العباسي المأمون 8 ه/513م: 218 ه/ 833ءم› جاء بعد المأمون المعتصم بالله 
8 ه / 833م :227 ه / 842م وهو أول من لبس التاج» ولبس زي الأتراك» بل وأدخلهم 
الديوان؟ء واستكثر المعتصم من الغلمان الأتراك وجعل منهم جندا له» وازداد عددهم مما اضطره أن 
يبني لهم مدينة خاصة بهم» وهي سامراء”ء وبهذا لعب الأتراك دورا مهما في تاريخ الدولة العباسية 
وأضتتحو | جز ءامن المسلمين: 
2: تأسيس الإمبراطورية العثمانية : 

يرجع اسم الدولة العثمانية إلى عثمان بن أرطغرل بن سليمان شاه التركمانيء قائد إحدى قبائل 
الترك النازحين من سهول آسيا الغربية؟» وبزغ نجم ابن أرطغرل ودولته عندما ساند أبوه الأمير علاء 
الدين السلجوقي- أمير إمارة قرمان- أثناء قتاله مع البيزنطيين» بدافع الجهاد المقدس ضد الصليبيين» 
مما جعل الأمير علاء الدين يكافئ أرطغرلء بإقطاعه أرضا على حدود بلاد الروم» ومن جانب آخر 


أ طه عبد العليم رضوان » فى جغرافية العالم الإسلامى» مكتبة الأنجلوء القاهرة» 1977ء 122/1 

* طرق المسلمون بلاد الترك عدة مرات منذ خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- '35-23ه وغزاها -في خلافة 
بني أمية- عدد من القادة المسلمين إلى سنة '86ه" منهم: عبيد الله بن زيادء وسعيد بن عثمان بن عفان؛ والمهلب بن 
أبي صفرة» وولداه: يزيد والمفضلء ولم تسفر حملات هؤلاء القادة عن فتح. 

6أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير» البداية والنهاية » دار الفكر » د.ط » 1407 ه - 1986 م ء ج9 » 98 

“ أبو عمرو خليفة بن خياط » تاريخ خليفة بن خياط » تحقيق أكرم العمري › مؤسسة الرسالة » بيروت » ط2 » 1397ه » 
ج1» ص 303 

7 يلماز أوزتونا » مرجع سبق ذكره » ص 45 

“جلال الدين السيوطي » تاريخ الخلفاء » تحقيق : حمدي الدمرداش ٠‏ مكتبة نزار مصطفى الباز » ط1 2 1425ه- 
4م » ص 244 

7 محمد بركات البيلي » دراسات في تاريخ الدولة العباسية » د.ن » د.ط » 2004م » ص126 

“محمد فريد > تاريخ الدولة العلية العثمانية » تحقيق : إحسان حقي › دار النفائس» بيروت - لبنان › ط1 » 1401ء / 
1 مء ص115 


97 


يكون بمثابة حائط دفاع للدولة السلجوقيةء فلما توفي أرطغرل 687 ه ء تولى بعده ابنه عثمان 
المؤسس الحقيقي للدولة!» والذي أخذ في توسيع رقعة دولته» واعتمد عثمان في ذلك على ضعف الدولة 
السلجوقية بعد موت علاء الدين من جانب» ومن جانب آخر مستغلا الفوضى والإهمال المسيطرين على 
الأراضي البيزنطية بالأناضول”. 

أصبحت الدولة العثمانية إمبراطورية قوية» وخاصة بعد سقوط القسطنطينية في أيديهم على يد 
السلطان محمد الفاتح سنة 857 ه / 1453م,”وأصبحت ذات ولايات تابعة لها في آسيا وأفريقيا و 
أوروبا. 
3 : النظام القضائي العثماني: 

موضوع البحث يجعلنا نسلط الضوء على النظام القضائي العثماني؛ لنتفهم العوامل التي ساعدت 
على جعل المذهب الحنفي»ء هو المذهب الرسمي للدولة» ومدى تأثر النظام القضائي العثماني بالمذهب 
الحنفي. 

نوضح في بادئ الأمر أن هناك فرقاً بين الفقه» والقضاء الشرعي؛ إذ أن الفقه هو مجموعة من 
الآراء الشرعية التي توصل المجتهدون إليها من خلال أدوات الاجتهاد المعتبرة» ولكن حين يكون الأمر 
مرتبطا بالقضاء فهو مختلف إذ أن رأي الفقيه غير ملزم على عكس حكم القاضي؛ وعلى هذا لو ترك 
القضاة دون تقييدٍ برأي مجتهد معين لتضارب الحكم في المسألة الواحدة» ولما أمكن ضمان الوحدة في 
تحقيق العدالة الاجتماعية. وقد قامت الدولة العثمانية بضمان الوحدة في العدالة الاجتماعية بإصدار الأمر 
إلى القضاة على أن يحكموا وفقا لما صح من آراء المذهب الحنفي. وكانت هناك قواعد وأساليب معينة 
يُعتمد عليها في معرفة الصحيح من الآراء“» ابتدئ منذ عهد السلطان سليمان القانوني” -وهو أحد أهم 
سلاطين الدولة العثمانية 927ه - م1520/ 974ه - 1566م. 


' محمود شاكر » التاريخ الإسلامي » المكتب الإسلامي - بيروت › ط4 › 1421ء /2000م » ج8 » ص 60 › 61 

7 عمر عبد العزيز » تاريخ المشرق العربي ( 1516:1922م) › دار المعرفة الجامعية - الأسكندرية - » د.ط 20002 
م» ص38 

3 محمود شاكر » المرجع السابق » ص86 

* عبد العزيز بايندر ٠‏ الأعمال القضائية في الدولة العثمانية » مقال منشور على صفحة الويب ٠»‏ بتاريخ » 3/ 10/ 2012م 

" سليمان القانوني : و سليمان الأول بن بايزيد الأول » غير أن الذي اشتهر به واقترن باسمه هو وضعه للقوانين التي تنظم 
الحياة في دولته الكبيرة. حيث كان القانون السائد في الإمبراطورية هو الشريعة الإسلامية وكان تغييرها خارج 
صلاحيات السلطان. حتى ظهر قانون سليمان الذي غطى مجالات القانون الجنائي وحيازة الأراضي والجبايات» جمع 
فيه جميع الأحكام التي صدرت من قبل السلاطين العثمانيين التسعة الذين سبقوه. وبعد القضاء على الازدواجية 
والاختيار بين التصريحات المتناقضة»ء أصدر مدونة قانونية واحدة» وراعى فيها الظروف الخاصة لأقطار دولته» 
وحرص على أن تتفق مع الشريعة الإسلامية والقواعد العرفية » وبقي جاريا العمل به قرابة ثلاثمئة سنة أي حتى 
مطلع القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي» كما جعل أكبر الوظائف العلمية وظيفة مفتي. 


58 


قامت نظم القضاء والتقاضي العثماني على ضربين أساسيين»ء هما: 

أ- قضاة الشرع الشريف. 

ب - قضاة السياسة» أو القضاء الزمني. 

ورغم تباين الاختصاصات بين النظامين السابقين» إلا أنهما جميعاً يحكمان وفق مبادئ الشريعة 
الإسلامية. واتسم النظام القضائي العثماني بالتسلسلء الذي جاء على قمته 'شيخ الإسلام'"» تليه الففات 
القضائية الأخرى: 'قضاة العسكر- القضاة من فئة المولى الكبير - القضاة من فئة المولى الصغير - 
المفتشون - النواب". وفسرت بعض الرؤى التاريخية منصب "شيخ الإسلام" آنذاك كمقابل لوظيفة 
ابطريرك لكل المسيحيين". وفستره آخرون باعتباره تقليداً شائعاً للخلافة العباسية في القاهرة إبان حكم 
المماليك.لكن الأظهر من الآراء هو أن لقب شيخ الإسلام أطلق على مفتي العاصمة في عهد السلطان 
محمد الفاتح ... تمييزاً له عن سائر زملائه من رجال الإفتاء الذين كانوا يعملون في الأقاليم» وأطلق هذا 
اللقب لإضفاء مزيد من الأهمية والتبجيل على مفتي العاصمة في مواجهة الطوائف الدينية غير 
الإسلاميةء لاسيما أنهم جميعاً كانوا يمارسون اختصاصاتهم في مدينة واحدة."! 

وبدأت الدولة العثمانية تقوم بتعيين القضاة العثمانيين في كل ولاية من الولايات التي احتلتهاء 
ومنها مصرء والحجاز مكة والمدينة» وغير ذلك من الولايات التي كانت تخضع لنفوذهم» وكان القاضي 
الذي تعينه الدولة العثمانية ابتداءَ من عهد السلطان سليمان القانوني- رمزا للسلطة القضائية» ولذلك كان 
يُسمى قاضي عسكرء يعني قاضي عسكر المحمية العثمانية التي كانت تبسط قوتها وسلطانها على كل 
ولاية تفتحها هذه الدولةء وكان هذا القاضي يُعين نوابًا له في الولايات والمحافظات والمديريات التابعة 
للمذهب السائد في كل ولايةء ويُعين الشهود المعدلين يعني الشهود الذين يعينون هؤلاء النواب”. 

ولهؤلاء المعدلين في أنحاء كل ولايةء والنواب أن ينظروا في القضايا المعروضة في أجزاء 
الولاية» وفي المديريات وفي المحافظات وفي أجزاء الولاية المختلفة» ولكن حكمهم لا ين إلا بعد 
موافقة قاضي العسكر عليهء لأنه قاضي القضاة في كل هذه الولايات» هم نوابه في أنحاء الولاية 
يفصلون في المنازعات» ولكن لا يُعلن حكمهم على الناس ولا يكون نافذًا ورسميًا إلا بعد أن يوافق عليه 
قاضي العسكر العثماني”. 

كانت الأعمال القضائية في الدولة العثمانية تستند إلى الشريعة الإسلامية والمذهب الحنفي على 
وجه الخصوص إلا القوانين الجنائية والقوانين الأخرى المطبقة في المحاكم الملكية التي أسست بعد 


أ عبدالرازق ابراهيم عيسى » تاريخ القضاء في مصر العثمانية 1517 - 1798 › الهيئة المصرية العامة للكتاب - 
القاهرة 1998ء د.ط » ص37 

7 أحمد عبد الحميد مهدي › القضاء في عهد الدولة العثمانية » بحث منشور ضمن فاعليات مؤتمر بعنوان ( تاريخ القضاء 
وأحكامه ) › كلية العلوم الإسلامية » جامعة المدينة العالمية » شاه علم - ماليزيا 

7[ أحمد عبد الحميد مهدي »المرجع السابق. 


99 


التنظيمات. ومصدر هذه الحقوق المطبقة في المحاكم الشرعية هو ما اشتملت عليه الكتب الفقهية الحنفية 
في أبواب القضاء والشهادة والإقرار والتحليف والبيانات والصلح والوكالة وغيرها من الأبواب؛ وكذلك 
ما ورد من الأصول في أواخر بعض الأبواب. وقد احتوت مجلة الأحكام العدلية أمعظم هذه المسائل. 
وكانت المحاكم تسجل أعمالها في الدفاتر المسماة بالسجل الشرعي. وهذه الدفاتر قد نقلت إلينا جميع 
أعمال المحاكم» وفي حالات الخلاف بين المواطنين المنتسبين إلى غير المذهب الحنفي ورأي الحاكم 
حول المسألة حسب المذهب الذي ينتمي إليه المواطن ولكن لم يجد في هذا المذهب حكما متعلقا بالمسألة 
المذكورة» فعندها يكون من حق الطرفين تعيين فقيه آخر من مذهبه قاضيا في حل المسألة؛ فيحكم حسب 
مذهبه ثم يصدقه الحاكم ويضعه حيز التنفيذء وكانت الآراء المخالفة للمذهب الحنفي أو المذاهب الثلاتقة 
الأخرى أو آراء المجتهدين من غير علماء المذاهب الأربعة يُباشر العمل بها بأمر السلطان إذا كانت 
صالحة لحل قضية من القضايا العصرية. والاجتهادات في القضايا الحديثة وما اقتتبس من القوانين 
الأوربية لاسيما بعد التنظيمات كان التزام القضاة بها واجباء بأمر السلطان”. 

وقد تم إعمال كثير من الآراء المخالفة لآراء المذهب الحنفي وفقا لاحتياجات الزمان. ويوجد 
في المجلة نماذج كثيرة على ذلك. وفي سنة 1914م أسس قسم خاص في دار الفتوى التابعة لشيخ 
الإسلام تحت اسم غرفة الفتوى العالية لتأليف المسائلء لغرض البحث عن الآراء المناسبة لحل القضايا 
العصرية. والمادة القانونية المتعلقة بالموضوع من أنظمة دار الفتوى كالتالي: 

إذا قام قسم تأليف المسائل بترجيح رأي مخالف للمذهب الحنفي لكونه مناسبا لحل قضية من 
القضايا العصرية أو رجّح رأيا من آراء المذاهب الثلاثة قام بكتابة التقرير حول هذا الرأي وأحاله إلى 
أمين الفتوى. ويتم إعمال الرأي الذي شمله التقرير بموافقة مقام الفتوى أولا لعرضه على السلطان 
ويدخل حيز التنفيذ بموافقة السلطان.وبعد إعمال المجلة لم يبق ارتباط بمذهب معين في القضايا 
المستجدة. أما المبادئ المهمة التي استندت لها اللجنة التعديلية للمجلة يمكن تلخيصها على النحو التالي: 


أ مجلة الأحكام العدلية : أو (”المجلة“» كما اشتهرت» دون نعت أو تخصيص).؛ هي مدونة لأحكام الفقه الإسلامي الحنيف 
في المعاملات الماليةء صدرت في الدولة العثمانية عام 1869 إبان عهد السلطان عبد العزيز بن محمود الثاني» تحت 
إشراف الوزير أحمد جودت باشا ناظر المعارف العموميةء الذي شكل لهذا الغرض لجنة علمية من رجال الدين و 
القانون» اضطلعت بجمع الأحكام الشرعية للمعاملات على مذهب الإمام أبي حنيفة» لتكون أول تقنين مدون و رسمي 
للفقه الإسلامي. فمن حيث الشكلء بلغت مواد المجلة 1851 مادة متضمنة أحكاماً شرعية لمختلف المعاملات المدنية؛ 
قسمت - على غرار نهج القانون المدني الفرنسي - بحسب المواضيع التي تناولتها (كالبيع» الإجارة» الكفالة» و الوكالة 
وغيرها ) و قد كان الهدف من إصدار المجلة هو الخروج بقانون مدني موحد لكافة الولايات و الأقاليم الخاضعة 
للدولة العثمانية ( مشاعل عبد العزيز إسحاق الهاجري ٠‏ مجلة الأحكام العدلية العثمانية في الكويت العربية » مقال 
منشور بتاريخ 24/ 4/ 2014م ٠‏ 1/0:081655.607/2012/02/05ا.35طانأاع//:1105/مجلة-الأحكام- 
العدلية-العثمانية 


7 عبد العزيز بايندر » مرجع سبق ذكره 


100 





أ- لا يقبل ما يخالف القرآن والسنة من الآراء. 

ب -إذا اختلف الفقهاء في مسألة ما فإنه يقبل رأي من يساعد على حل تلك المسألة حسب 
مقتضيات العصر. 

ج -إذا كانت هناك مسألة جديدة تتطلب حكما جديدا يستفاد من المسائل الموجودة وفق الأصول 
الفقهية. 

د -تقليل وتقييد تصرف القضاة خلافا لما كان سابقا. 

ه -القيام بالاجتهادات الجديدة ووضعها في حيز التنفيذ ' 

4 : وظيفة شيخ الإسلام : 

استبدل العثمانيون نظام قاضي القضاة” بنظام مشيخة الإسلام» كنظام من النظم التي ستقوم 
عليها هذه الدولة» ولاسيما أن هذه الدولة جغرافيًا محاطة بدول نصرانيةء ولا يقوم على ديمومتها 
واستمراريتها سوى النظام وحسن الإدارة والحكم بالإسلام» ومنصب شيخ الإسلام يعد أحد أهم منصبين 
من مناصب الهيئة العلمية في الدولة » وأول من تلقب به هو شمس الدين الفناري828 ه / 1425م 
زمن السلطان مراد الثاني» وقد ازدادت أهمية هذا المنصب على بدايات القرن السادس عشر الميلادي 
مع أمثال الشيخ زنبيللي علي أفندي ت (1526م)ء والشيخ ابن كمال باشا ت (1534م) ٠‏ والشيخ أبي 
السعود أفندي ت ( 1574م)ء وكان من اختصاصاتهم تعيين المفتين» وإدارة مناصب التدريس والقضاة 
العالمية» بل كان شيخ الإسلام يدعى إلى الديوان الهمايوني على الرغم أنه ليس عضوا فيه وجاءت 
وظيفة مشيخة الإسلام» لتضفي على المجتمع العثماني» الوجه السني في معتقدها الإسلامي شريعة 
ومنهج حياة»ويرى- رب فيرى- أن العثمانيين اصطنعوا المنصب في الأساس لا ليس تتبعوا العلماء 
ضمن جهاز الدولة بل لإعطاء سلطتهم مشروعية إسلامية تشبه التي كانت للمماليك نتيجة وجود الخلافة 
العباسية لديهم”» و كان لشيخ الإسلام مرتبة دينية وزمنية عالية » فهو يعلن قرار الحرب ويقرر عزل 
السلاطين لانحرافهم عن تطبيق الشريعة. وكان للعلماء دور كبير في تسوية الأزمات السياسية الداخليةء 


1 الجريدة العلمية» العدد 34. اسطنبول 1336ء ص. 1014-1013. 

2 قاضي القضاة هو منصبٌ ديني وذنيوي إسلامي ابثكر خلال العصر العباسي أيام خلافة هارون الرشيد بعد أن ظهرت 
الحاجة المُلحّة إلى فصل السلطة القضائيّة عن السلطة التنفيذيّة بعد أن ازدهرت الدولة الإسلامية وتنوعت مرافقها 
وتوسعت وصارت الحاجة مُلحة أن يتولى كل شخص في الدولة منصبًا إداريًا مستقلًا عن غيره من المناصب» كي يقوم 
بواجبه على أكمل وجه (عصام محمد» .قاضي القضاة في الإسلام» دار النهضة » بيروت - لبنان » د.ط » د.ت » ص 
15 

3 أكمل الدين إحسان أوغلو » الدولة العثمانية تاريخ وحضارة » ترجمة : صالح سعداوي » مركز الأبحاث للتاريخ والفنون 
والثقافة الإسلامية » استانبول » د.ط » 1999م » ص300 › 301 

“ مجلة الاجتهاد عدد 3 ربيع 1989 خالد زيادة ‏ دور فئة الكتاب والإداريين في علمنة الدولة العثمانية ص 169 


101 





وتعديل مسار انتقال السلطةأوهذا يفسر جنوح السلاطين العثمانيين إلى انتقاء علماء مؤيدين لسياساتهم 
واختيارهم لمناصب شيخ الإسلام وقضاة العسكرء فتلك كانت سياسية السلطان سليم الثالث »ومن الطبيعي 
أن تؤدي هذه العملية إلى الإضرار بدور العلماء واستقلاليتهم» وإحالة العلماء إلى مجرد جهاز 
بيروقراطي يعمل آلياً بتوجيه السلطان» و حصر مهماتهم في إصدار الفتاوى التي تعد تسويغات شرعية 
لسياسة السلطان ؛حيث يتحول العلماء من قوة لصالح الأمة إلى قوة مسخرة لخدمة السلطان» ومؤسسة 
تبريرية لسياساته”» ومع ذلك حافظ الاصطلاحيون من سلاطين آل عثمان على المؤسسة الدينية مع الحد 
من صلاحياتها عبر تدابير التنظيمات التي بدأت مع خط كلخانه عام ”1839 وتوسعت مع قانون 
الولايات في 1864 في الفترة اللاحقة. فقد بالغ السلطان عبد الحميد في الحفاظ على هيئة المؤسسة 
الدينية وصلاحياتها في مقابل الاتجاهات الإصلاحية والدستورية التي برزت في أيامه وشكلت شخصية 
أبو الهدى الصيادي رمزاً دينياً بارز ا“ 
5 : سبب اختيار الدولة العثمانية للمذهب الحنفي : 

تقوم الدول والنظم السياسية على وجه العموم» باختيار المذاهب» والآراء التي تتماشى مع 
سياستهاء أو تحقق لها ما تريد من مصالح» وبما أننا نتحدث عن دولة إسلامية» استطاعت أن تكون 
إمبراطورية تخضع تحت سلطانها عددا من الأقطار الإسلامية» سواء في الشرق» أو الغرب» فينحصر 
كلامنا عن أسباب اختيار الدولة العثمانية للمذهب الحنفيء وجعله المذهب الرسمي للدولة. 

ويرجع سبب اتخاذ الدولة العثمانية للمذهبية» وخاصة المذهب الحنفي إلى: 


أ رزق الله منقريوس الصرفي ‏ تاريخ دول الإسلام» الدار العالمية» مطبعة الهلال بالفجال بمصر سنة 1326 ه _ 
8م نءد.ط ؛ ج3 ص166 

* سعد الأنصاري - العلاقات الإيرانية العراقية خلال خمسة قرون» دار الهدى بيروت - لبنان ط1 1407 ها ل 
7م ص 34 

3 والمقصود بخط كلخانة : التنظيمات العثمانية الخيرية» المعروفة بخط شريف كلخانة (مرسوم كلخانة الشريف» نسبة إلى 
المحل الذي أعلنت فيه التنظيمات). عندما أعلن السلطان عبد المجيد (1277-1255ه/1861-1839م)» في 
السادس والعشرين من شعبان عام 1255ه (4 نوفمبر 1839م) التنظيمات» التي تقتضي تغييراً جذرياً في مؤسسات 
الدولة» وعدم التفرقة بين المواطنين في الحقوق والواجبات» على أساس من مذاهبهم أو انتمائهم القومي. وحرية 
ممارسة الشعائر الدينية لكل المذاهب. 

“ أبو الهدى الصيادي وهو: محمد بن حسن وادي بن علي بن خزام الصيادي الرفاعي الحسيني(1266ء/1849م: 1328 
ه /1909م)» من علماء الدين البارزين في أواخر عهد الدولة العثمانية» حيث تولى فيها منصب 'شيخ مشايخ الدولة 
العثمانية" في زمن السلطان عبد الحميدء كما تولى نقابة الأشراف» خاصة وأن نسبه يرجع إلى آل البيت وله مؤلفات 
في العلوم الإسلامية وغيرها. 

7 وجيه كوثراني - الاتجاهات الاجتماعية ‏ السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1860 1920ء معهد الإنماء 


العربي ‏ بيروت 196م » بحث منشور ص 221 


102 


أ - الصراع المذهبي بين الصفوية في إيرانء والسنة في الدولة العثمانية: 

ويمكن القول» أن الدولة الصفوية في تمذهبها تمثل أحد الفاعلات الرئيسية في تمذهب الدولة 
العثمانية» أي حين بدأت الدولة الصفوية في رفع لواء التشيع وتعميمه في كل الأرجاءء وإرسال الدعاة 
إلى مناطق الأناضول وغيرهاء أثارت النوازع المذهبية لدى السلاطين العثمانيين» وليس من قبيل 
المصادفة أن تدشن المؤسسة الدينية العثمانية وتتكامل في هذه الفترة» وهو رأي دونالد ولبر بما نصه: 
'وقد أزكى التحول إلى التشيع عداوة الأتراك العثمانيين ضدهء وكان سلاطينهم في القسطنطينية قد 
صاروا خلفاء على جميع المسلمين السنيين» وأصبح الشيعة في إيران يفصلون الكتلة السنية في وسط 
آسيا والهند وأفغانستان عن السنيين في تركيا والعراق ومصر والدول الإسلامية الأخرى الواقعة إلى 
الغرب من إيران"!» وأحدث إسماعيل الأول» مؤسس الدولة الصفوية -الذي أضفى على دولته منذ بداية 
نشوئها طابعاً مذهبياً- رد فعل عثمانياً مماثلاً يكشف عنه إسراف السلطان سليم الأول في المذهبيةء 
وتعود بداية التمذهب في أبرز مفاعلاته المباشرة تأثيراً إلى التحالف الذي عقده الشاه إسماعيل الصفوي2 
مع ملك مصر على قتال السلطان سليم» فلما اكتشف نبأ التحالف نهض في جيش كثيف في سنة 920ه 
وتوجه إلى تبريز واحتلها ثم تراجع أثر نقص المؤونة» ثم قاد حملة أخرى على مصر لتخليصها من 
كم العماليك: وحتئ ذلك الوقث: لم يكن السنلطان العقناني يولي اهماما جادا.ببلاد الشام ومصن حن 
وجد في التحالف الصفوي المملوكي مصدر تهديد جدي لتخوم الدولة العثمانية » وعقبة كأداء أمام 
توسعهاء ومنذ ذلك الوقت بدأ ت الدولة العثمانية تنقل تقل توسعها إلى بلاد الشام ومصرء حيث مركز 
الخلافة السنية الإسلاميةء والحجاز ومركز الحرمين الشريفين”. 

و تمكن السلطان سليم الأول من إحباط إمكانية التحالف الصفوي -المملوكي» فاحتل بلاد الشام 
في معركة مرج دابق سنة 923 1516 وأكمل مسيره نحو مصر بعد أن أحكم قبضته على سورية» 
فدخل القاهرة في مطلع عام 923هء وقضى على آخر حكام المماليك طومان باي» ولكنه أبقى للمماليك 
الإدارة الشكلية» كما أبقى على بعض امتيازاتهم وممتلكاتهم» وكان في القاهرة حينذاك آخر الخلفاء 
العباسيين المتوكل على الله محمدء فتنازل له عن حقه في الخلافة الإسلامية» وسلمه الآثار النبوية 
الشريفة وهي الراية والسيف والبردة» وسلمه أيضاً مفاتيح الحرمين الشريفين .ويعلق رزق الله الصرفي 
'ومنذ ذلك الوقت صار كل سلطان عثماني أميرا للمؤمنين..وصارت اليهم السلطة الدينية والدنيوية معا“ 2 


أ دونالد ولبر ‏ إيران ماضيها وحاضرهاء ترجمة د.عبد النعيم محمد حسنين» دار الكتاب المصري القاهرةء دار الكتاب 
اللبناني بيروت» ط2 1405 ١‏ 1985 م ص87 

> أبو المظفر شاه إسماعيل الهادي الوالي» أو إسماعيل بن حيدر بن الجنيد الصفوي/مؤسس الدولة الصفويةفي إيران 
»إسماعيل الصفوي هو شاه إيران (1501 - 1524م) وهو القائد الديني الذي أسس الحكم للصفويين. 

عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم - تاريخ العرب الحديث والمعاصرء دار المتنبي للنشر والتوزيع» الدوحة ‏ قطرء 
ط3» 1402ه 1982م ص 15 

* رزق الله الصرفي » مرجع سبق ذكره > ص114 


103 





ولتنازل الخليفة العباسي معنى بالغاًء يوحي بالانتقال السلمي والشرعي للخلافة الإسلامية إلى البيت 
العثماني» كما يشي بأن الدولة العثمانية هي امتداد طبيعي وتاريخي للدولة السلالية في تاريخ المسلمين 
الديانيق عبان اعجار ا من غه 925 ہے گل ملك خان يلقب تب أخليفة :الستلنين وقول 
النبهاني' ومما جعل للسلطان سليم أهمية عظمى في التاريخ: نقل الخلافة الإسلامية إليه حيث إنها 
ربطت 'معنى" العالم الإسلامي المنتشر على سطح الكرة بملوك بني عثمان!؛ وفي سياق هذا المعطى 
الجديد» يلاحظ نزوع العثمانيين إلى خيار التمذهب في رد فعل مضاد على الصفويين» ففيما كانت الدولة 
الصفوية تسعى في اتجاه توطيد سلطانها السياسي في العراق عبر اللاقتة الشيعية» كانت الدولة العثمانية 
قد رفعت لواء الخلافة الإسلامية بعد سيطرتها على بلاد الشام ومصر والحجازء وقد لاحظ البرت 
حوراني تمسك العثمانيين بالسنةء في أنه جاء بعد اتساع الدولة العثمانية» وخاصة بعد أن استولت على 
مراكز الدين السني في مصر وسوريا وجوبهت بعداء الدولة الصفوية الشيعية” ومن الملفت للانتباه» أن 
مجرى التمذهب في الدولة العثمانية قد لا يختلف اختلافاً بيناً عن سلفه العباسي» فقد تبنى العثمانيون 
المذهب الحنفي الذي كان نفسه مذهب العباسيين» وقد أفاد رجال المذهب من هذه العناية والإثرة في 
الترويج للمذهب» حيث بدأت تنعقد الصلات بين المذهب والدولةء وتتداخل المصالح بينهما » وأصبح 
المذهب ورجاله وثيقي الصلة بالدولةء وفي الوقت نفسه أصبح ازدهار المذهب متساوقاً مع ازدهار 
الدولة وتوسعها » فالفوران المذهبي الذي شهدته الدولتان الصفوية والعثمانية في القرن الحادي عشر 
حقق انتشاراً واسعاً للمذهبين الشيعي والحنفي على حد سواءء فقد استكمل التشيع خطواته الكبرى في 
عهد الشاه عباس الكبير  993(‏ 1037 - 1588 1628) في كل من ايران والعراق» وفي المقابل 
حقق المذهب الحنفي في الفترة ذاتها أكبر انتشار لهء وقد عد الفقيه الأصول علي بن سلطان القاري (ت 
4ه) أتباع مذهب الإمام أبي حنيفة في القرن الحادي عشر ثلثي المسلمين في العالم”. 
ب - اعتناق الدولة التركية السابقة للمذهب الحنفي : 

لم يكن اعتناق الدولة العثمانية للمذهب الحنفي » وجعله المذهب الرسمي للبلادء وليداء بل بعد 
مقدمات مهدت لهذا الأمرء أهمها أن الدول التركية السابقة كانت قد اعتمدت هذا المذهبء؛ فقد كان 
السلاجقة منذ عهد طغرل بك“ يختارون القضاة في الغالب من المذهب الحنفيأمما كان له أكبر الأثر في 
اعتناق الدولة العثمانية بعد ذلك للمذهب الحنفي” 


أ محمد بن الشيخ خليفة بن أحمد بن موسى النبهاني الطائي - التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية» دار احياء 
العلوم» بيروت ط1 1406 ه/ 1986 م ص 66 

* البرت حوراني - الفكر العربي في عصر النهضة ‏ دار النهار » » د.ط بيروت 1977م ص47 

3 وهبي سليمان غاوجي - ابو حنيفة النعمان إمام الائمة الفقهاء» دار القلم دمشق ط 4» 1407ه 1987م» ص 142 143 

“ ركن الدين طغرل بك بن سلجوق 385 -455 ه / 995 - 1063 م» كان ثالث حكام السلاجقة ممن قاموا بتوطيد 
أركان الدولة السلجوقية وبسط سيطرة السلاجقة على إيران وأجزاء من العراق .اعتلى السلطة في عام 1016م.بعد أن 
هزم خانات بخارى الذين كان يتبع لهم طغرل بك في عام1025م من قبل محمود الغزنوي. 


104 





ج- فتوى الحنفية في جواز خروج الخلافة عن قريش: 

انتشر مذهب أبي حنيفة في البلاد منذ أن مكن له أبو يوسف بعد توليه منصب قاضي القضاة 
في الدولة العباسيةء وكان المذهب الرسمي لهاء بالإضافة لمذهب مالك في الحجاز. فلما مات مالك› 
صار المذهب الحنفي المذهب الرسمي الوحيد. فانتشر في العراق وفي مشرقها من بلاد العجم: فارس 
وما وراء النهر (تركستان) وأفغانستان والهند. كما كان المذهب الرسمي لعدد من دول المشرق كدولة 
السلاجقة» والدولة الغزنوية ثم الدولة العثمانية. وبسبب فتواه التي أجاز فيها الخلافة لغير قريشء» 
استحسن الأتراك مذهبه خلال حكم الدولة العثمانية واعتبروا المذهب الحنفي مذهب الدولة. ثم أخذوا 
يحملون الناس على اعتناق مذهبه» حتى أصبح أكبر مذهب إسلامي له أتباع بين المسلمين» بسبب طول 
فترة حكم الدولة العثمانية الذي امتد حوالي سبعة قرون من الزمن. بل بلغ بهم الأمر إلى فرض قراءة 
حنمن ف اف يدلا هن القز اك ال ي الوا اى ماف را ززي مهحرف أن 
أبا حنيفة كان يقرأ بها. 

أكد علي الوردي” ذلك » فهو يقول "الشائع أن السبب الذي جعل الدولة العثمانية شديدة التمسك 
بالمذهب الحنفي هو أن أبا حنيفة كان لا يأخذ بهذا الحديث» ويرى من الجائز أن تكون الخلافة في غير 
قریش“. 

ومما سبق نلخص الأسباب التي جعلت الدولة العثمانية تتبنى المذهب الحنفي في: 

1- أن المذهب الحنفي كان له حضور بالمناطق التي قدم منها العثمانيون. 

2- كان المذهب المعتمد من قبل العباسيين» والحكومات التي خلفتهم. 

2-3 ملاءمة الأحكام الحنفية لدولة تضم مختلف الأديان والمذاهب. 

4- تبنى المذهب» جواز تولي الخلافة من غير قريش. 
ثالثا : الأمصار التي تمذهبت بالحنفية 

استطاعت الدولة العثمانية في أوج اتساعها أن تخضع تحت سلطانها من الجانب الإفريقي»› 
مصرء بلاد المغرب الأدنى [ ليبياء تونسء الجزائر]”؛ ولم تكن السودان تحت الحكم المباشر للدولة 


' ينتمي السلاجقة إلى قبيلة 'قنق" إحدى العشائر المتزعمة لقبائل الغز التركية دخلت هذه العشيرة في الإسلام أثناء عمد 
زعيمها سلجوق سنة960م 

7 أكمل الدين إحسان أوغلوء الدولة العثمانية تاريخ وحضارة » ترجمة صالح سعداوي » مركز الأبحاث للتاريخ والثقافة 
والفنون » استانبول » 1999م » ص 472 

1 علي الوردي : علي حسين محسن عبد الجليل الوردي 1913 : 1995 م وهو عالم اجتماع عراقي» أستاذ ومؤرخ 
وعرف باعتداله وموضوعيته وهو من رواد العلمانية في العراق لقب عائلته الوردي نسبة إلى أن جده الأكبر كان يعمل 
في صناعة تقطير ماء الورد 

“ علي الوردي » لمحات اجتماعية من تاريخ العراق » مطبعة الرشاد » بغداد » د.ط1971م »ج1 » ص49. 

7 حسين مؤنس » أطلس تاريخ الإسلام » د.ن » د.ط » د.ت » ص 347 


105 





العثمانية» لأن الذي أخضعها تحت إدارته وحكمه هو محمد علي باشا الذي ظفر بولاية مصر 1805م؛: 
ومن خلال استعراض المذهب الفقهي الذي اعتنقته تلك المناطق خلال الحكم العثماني» يتضح مدى تأثر 
تلك البلدان بالمذهب الحنفي» الذي مابرح أن أصبح المذهب الرسمي للدولة العثمانية - كما وضحت 
سابقا. 
1 - في مصر والسودان: 

كان دخول. العثمانيين إلى مصر في إظار الصصراع القائم بينهم وبين المماليكء والنذي توج 
بمعركة مرج دابق 1516م التي كانت بمثابة الضربة القاصمة للمماليك في بلاد الشام وزعزعت 
سلطانهم هناكء ليستقر الأمر في النهاية إلى مد النفوذ العثماني إلى مصرء إذ لا يمكن استقرار الحكم في 
بلاد الشام إلا بعد تأمين الحدود الغربية لها عن طريق فرض السيطرة على مصرء ودخل العثمانيون 
مصر بقيادة سليم الأول سنة 1517م» وأمر سليم بنقل معسكره إلى بولاق بدلا من الريدانية'» وظهرت 
أهمية مصر كإقليم سياسي جعل العثمانيين يهتمون بها وبشؤونها.” 
أ- انتشار المذهب الحنفي في مصر: 

دخل المذهب الحنفي مصر مبكراء في عهد الخلافة العباسية على يد القاضي إسماعيل بن 
اليسع الكوفي - أول قاضي حنفي في مصر - سنة 146ه » لكن التنافس بين المذاهب الفقهية في 
مصر لم يدع المجال طويلا للمذهب الحنفي كي يتربع على عرش القضاء المصري” حتى استطاع 
الفاطميون أن ينشئوا دولتهم في مصر 358ه وينشروا المذهب الشيعي الإسماعيلي طوال مدة حكمهم: 
إلى أن استطاع صلاح الدين أن يعيد مصر مرة أخرى إلى المذهب السني سنة 567 هل / 1171م 
لينتشر المذهب الحنفي مرة أخرى خاصة بعدما بنى صلاح الدين المدرسة السيوفية - وهي مدرسة 
خاصة بتدريس المذهب الحنفي- لكن هذا لم يمنع الدولة الأيوبية التي كانت تعمل بالمذهب الشافعي من 
أن تقلد القضاء لأصحاب ذلك المذهب“ حتى جاء الحكم العثماني المتأثر بالمذهب الحنفيء فعندما 
أصبحت مصر ولاية عثمانية تغير النظام القضائي بهاء وخاصة في عهد السلطان سليمان القانوني» 
حيث قدم قاضي عسكر تركي واسمه (سيد شلبي) في رجب سنة 927 ه / 1520م وبيده مرسوم من 
السلطان سليمان يصفه بأنه أعظم قضاة السلطان وأكبرهم» وأن له القول الفصل في القضاء بمصرء 
وسرعان ما أصدر هذا القاضي التعليمات التالية: 

1)- أبطل القضاة الأربعة الذين كان بيدهم سلطان القضاء 
2)- عين له نوابا بدلا منهم» وكان لكل مذهب نائبء ولكن كان يتحتم على هؤلاء أن يحصلوا على 


' عمر عبد العزيز عمر » مرجع سبق ذكره ‏ »ص78 
* تم القضاء على المماليك فعليا في عهد محمد علي » عندما دبر لهم مذبحة القلعة في مارس 1811م 


3 محمد الخضري » تاريخ التشريع دار الفكر العربي - بيروت » 1414ه / 1995م »> ص87 
“ هشام يسري العربي » مرجع سبق ذكره »> ص11 » 12 


106 


موافقة قاضي العسكر التركي على كل أحكامهم. 
3- بعد قليل صدرت التعليمات بأن يقتصر القضاء على مذهب أبي حنيفةء ثم تأكد ذلك في عهد 
محمد علي» إذ صدر فرمان من الآستانة بتخصيص القضاء والإفتاء بهذا المذهب.! 
وبهذا انحصر القضاء في الحنفية » وأصبح المذهب الحنفي مذهب أمراء الدولة وخاصتهاء 
ورغب كثير من أهل العلم فيه لتولي القضاءء إلا أنه لم ينتشر بين أهل الريف والصعيد انتشاره في 
المدن» ولم يزل كذلك حتى سقوط الخلافة العثمانية سنة 1340 ه / 1922م2» ولم يزل المذهب 
الحنفي مرجع القضاء في مصر منذ عهد الدولة العثمانية» وحتى الثلاثينات من القرن الماضي كما 
نصت على ذلك المادة رقم (280) من القانون رقم (78) لسنة (1931م)؛ حتى أدخلت عليه بعصض 
التغييرات حين اتجه المشرع المصري للأخذ من بقية المذاهب الأربعة لأول مرة» ثم من سائر المذاهب 
الفقهية الإسلامية» وإذا أردنا تتبع تاريخي موجز عن القضاء المصري في العصر العثماني» فإنه في 
عام 1856 تم إنشاء محاكم سميت «المجالس القضائية المحلية» وكانت تحكم بمقتضى الخط الهمايوني» 
ثم تشعب القضاء في مصر نتيجة المعاهدات الخارجية والامتيازات الأجنبية. وفي عام 1870 م أنشئت 
«المحاكم المختلطة» التي كان عملها مستمداً من القوانين الفرنسية. وفي عام 1883 وضعت لائحة 
للمحاكم النظامية التي أخذت الكثير من صلاحيات المحاكم الشرعيةء فلم يعد من اختصاصات المحاكم 
الشَوَعية شون الأحوآل:الشخضية: وألغيث” المحاكم الشبزّغية - اما بنقتطنى فتانون توخ الهيتحات 
القضائية الذي صدر عام 1955ء والذي ضم اختصاصات المحاكم الشرعية للمحاكم العادية. 
ب -في السودان : 
وحين الحديث عن مصر نتطرق إلى السودان» فالسودان كان بمثابة الامتداد السياسي 
والإستراتيجي لمصرء خاصة بعدما أراد محمد علي أن يؤمن الحدود الجنوبية لمصرء والانتفاع 
بالسودان في تكوين القوة العسكرية وخصوصا بعد فناء جزء كبير من قوة محمد علي في بلاد العرب»› 
ففي الفترة بين 1820: 1823 م تمكنت قوات محمد علي بقيادة ابنه إسماعيل من إدخال أقاليم النوبة 
وسنار وكردفان في حوزة مصرء وتأكدت هذه السيادة الفعلية فيما احتوته نصوص تسوية 1840 - 
1م التي وقعت عليها الدول الأوربية الكبرى » فمُنح محمد علي وفق فرمان 13فبراير 1841م تلك 
المناطق» فكان هذا الفرمان اعتراف بما لمصر من سيادة على السودان. وكان الخليفة العثماني راضيا 
عن هذا التوسع لأنه باسمه ما دامت مصر ولاية تتبع الدولة العثمانية”» وصار يسري في السودان 


أ أحمد شلبي › تاريخ التشريع الإسلامي ووتاريخ النظم القضائية في الإسلام » مكتبة النهضة المصرية » ط2 › 1981م » 
ص 303: 304 

” أحمد تيمور باشا » نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين » لجنة نشر 
المؤلفات التيمورية » 1389ء/ 1969م » ص60 

* محمد الخضري » مرجع سبق ذكره »> ص87: 88 

“ محمود شاكر » مرجع سبق ذكره » ج8 » ص 483 


107 


بمقتضى هذه التسوية ما تسنه الدولة العثمانية من قوانين ومعاهدات!» وأنشأ محمد علي مدينة الخرطوم 
لتكون عاصمة السودان بدلا من سنارء إلا أن محمد علي لم يستطع الاستيلاء على دارفور فبقيت في يد 
ملوكها المحليين - لأن السودان قبل السلطان العثماني تنقسم إلى ثلاث ممالك» مملكة الفونج» ومملكة 
دارفورء ومملكة شمالي السودان” وبالتالي تأثرت بنظام الحكم في مصر في تلك الفترة سواء من ناحية 
التفسيم الإداري الداخليء أو من ناحية نظام الحكم والقضاءء وكان النظام القضائي في السودان في بداية 
تلك الفترة قائم على ثلاثة مذاهب: المالكي» والشافعي» والحنفي. إذ جاء مع جيش محمد علي ثلاثة 
علماء للمذاهب الثلاثة» كل يقضي حسب مذهبه. 
الهيكل القضائي السوداني من العهد التركي المصري إلى الاستقلال: 

إن الهيكل القضائي كان على رأسه قاضي عموم السودان الذي يتم تعيينه بأمر خديوي مصرء 
وكان القاضي يختار القضاة الآخرين الذين يتولى حكمدار عموم السودان تعيينهم» وكان هناك مجلس 
لكل مديرية» ومجلس استئناف بالخرطوم يسمى مجلس استثناف السودان» وفي بعض الأحيان كان 
يخصص لكل مديرية مفت يقوم بالتصديق على أحكام ذلك المجلس وتخضع لموافقته. وكانت المحاكم في 
أول هذا العهد تطبق الشريعة الإسلامية في كافة أوجه المنازعات فقضايا القتل والسرقة والقضايا المدنية 
المتعلقة بحقوق الناس وقضايا الأحوال الشخصية كل تلك كانت تنظرها المحاكم وفق تعاليم الشريعة 
الإسلامية من غير فصل بين جانب وآخرء وعلى غير المتبع فقد كان المذهب المطبق هو المذهب 
الحنفي بحسبان أنه مذهب الدولة العثمانيةء واستمر الشأن على ذلك ردحا من الزمنء ثم لما أنشئت في 
مصر في عهد سعيد باشا المجالس المحلية لتقضي بالقانون الهمايوني» وتلتها في عهد توفيق باشا 
المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية» وكلتاهما كانت تطبق القانون الجنائي والقانون المدني المستمدين من 
قانون نابليون» وبعض القوانين العثمانية ظهر صدى ذلك كله في السودان» فلم يعد تطبيق الشريعة 
الإسلامية شاملا كما هو الحال في صدر هذا العهد. القضاء والشريعة في عهد المهدية 1885 
8 كان الإمام المهدي في هذا العهد هو قمة الجهاز القضائي والمرجع الأخير في الشؤون التي 


' عبد الفتاح عبد الصمد منصور » العلاقات المصرية السودانية » الهيئة المصرية العامة للكتاب » 1993 م » ص12ء 13 

7 محمود شاكر » مرجع سبق ذكره »> ص 503 

1 قامت الثورة المهدية بزعامة محمد أحمد المهدي الذي ولد في العام 1843 في جزيرة لبب .قامت الثورة ردا على مظالم 
الحكم التركي المصري المعروف بفترة التركية السابقة في السودان. وقد بنى محمد المهدي دعوته على فكرة المهدي 
الذي يظهر في آخر الزمان و يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جوراً. استجاب السودانيون للمهدي بقوة مكنتته من 
هزيمة القوات الحكومية و السيطرة على السودان. توفي المهدي بعد انتصاره بفترة قصيرة وتولى الحكم عبدالله 
التعايشي الذي حارب الأحباش و حاول غزو مصر و استمر حكمه حتى عام 1899 حين غزا الإنجليز البلاد و هزموا 
جيوش المهدية في كرري ثم قتلوا الخليفة في معركة أم دبيكرات لتبدأ فترة الحكم الثنائي للسودان ( 0أحمد معمور 
العسيري ٠»‏ موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام إلى عصرنا الحاضر » فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية 
- الرياض » ط1 › 1417ء / 1996م » ج1 »> ص402 ) 


108 


تتعلق به» وكان يساعده في إدارة الشؤون القضائية قاض يلقب بقاضي الإسلام يتولى التصديق على 
الأحكام» وبخاصة فيما يتعلق بالقصاصء ويتلقى الاستئنافات ويرشح العلماء لمناصب القضاءء كما أنه 
في بعض الأحيان يفسر بعض المنشورات» وينشر ذلك التفسير على القضاة وكان فيما عدا ذلك يعين 
لكل جهة من الجهات التي تدخلها جيوش المهدية عالما من العلماء يتولى مهمة القضاء فيهاء بل إن هذا 
القاضي يعتبر معينا من قبل ذلك إذ من شأنه أن يكون قاضيا للجيش الذي صحبه فيما ينشأ بين أفراده 
من احتكاك» وحينما يستقر الجيش بعد فتحه لمنطقة من المناطق يغدو هذا العالم هو قاضي البلد التي يتم 
خضوعها لسلطان المهديةء وغالبا ما يكون هؤلاء القضاة من الذين تثقفوا ثقافة دينية وتلقوا علومهم في 
الأزهرء ومن أشهر هؤلاء القضاة الشيخ الحسين ود الزهراءء والشيخ إسماعيل عبدالقادر الشهير 
بإسماعيل المفتي» والشيخ محمد البدوي. كان القانون المرجوع إليه في فترة المهدية هو الكتاب والسنة 
مضافا إليهما منشورات المهدي» التي كان يصدرها بين الحين والآخر معالجا بها بعض المسائل 
القانونية»؛ ومفسرا بها بعض النصوص التشريعية. ويبدو مظهر تحكيم الشريعة الإسلامية في هذا العهد 
في إقامة الحدود الشرعية ومعالجة بعض المسائل الأخرى التي لا ترقى فيها الجريمة إلى مستوى الحدء 
عن طريق التعزير المبني على الاجتهاد» وفيما وراء ذلك مهد الإمام المهدي لتطبيق الأحكام الشرعية 
بالحث على طرح العادات الفاسدة» كالسحرء والتعزيم» وكتابة الأحجبة» وخروج النساء إلا لحاجة» 
ووجوب طاعتهن لأزواجهن» وستر أنفسهن وقضى بعقوبة من تقف حاسرة الرأس تعزيرا بضربها سبعا 
وعشرين سوطاء ومن تكلمت بصوت عال كذلك. كما عرف هذا العهد نظام قضاء المظالم والحسبة 
المعروفين في القضاء الإسلامي. القضاء والشريعة الإسلامية في عهد الحكم الثنائي 1898 1956 
ينتظم هذا العهد الفترة التي حكم فيها السودان بواسطة دولتي الحكم الثنائي إثر هزيمة جيوش المهدية 
وسقوط ام درمان سنة 1898 ويمتد إلى استقلال البلاد عام 1956 ولعله من البديهي أن يفكر الحاكم في 
مطلع هذا العهدء وإثر دخولهم مباشرة؛ في سن قوانين تحكم علاقات الناس وتنظم حياتهم ذلك أن القانون 
هو الأداة الأساسية التي يستخدمها الحاكم في إدارة شؤون البلاد وسياسة أمر الرعية وفق ما يبتغون» لذا 
كان سن القوانين من الأمور العاجلة الملحة التي سعى وسارع الساسة الجدد إليهاء وبحكم أن القوانين 
التي كان يركن إليها الحليفان في بلادهما كانت قوانين غير إسلاميةء فقد قاد هذا بدوره الى أن يدخل 
السودان في تجربة جديدة لم يألفها من قبل» وهي عزل الشريعة عن الحكم المطلق في كافة المسائلء 
ونتج عن هذا ولأول مرة في تاريخ البلاد تقسيم المحاكم إلى شقين محاكم شرعية» وهي المحاكم 
الموكول إليها الحكم وفق الشريعة الإسلامية» وقد حصر اختصاصها في نطاق الأحوال الشخصية 
ومحاكم مدنية وهي المحاكم التي شمل اختصاصها ماعدا الأحوال الشخصية المتعلقة لشؤون المسلمين» 
ومن المسائل المدنية والتجارية والجنائية والأحوال الشخصية لغير المسلمين إلا إذا ارتضى هؤلاء حكم 
الشريعة الإناقنية وق فت بساني .هذا القع الأحين من المحاكم اكم الروساء و لمحف الأملية 
لكي تساعدها في بعض سلطاتها واختصاصهاء في مستوى معين» وبكيفية خاصةء حددها القانون كما 


109 


نهض بعبء الحكم فيها بجانب القضاة المفتشون والمآمير. وفيما يختص بجانب الأحوال الشخصية الذي 
تطبق فيه الشريعة الإسلاميةء فقد تم تعيين الشيخ محمد شاكر من قضاة مصر المعروفين في 28 مارس 
0 قاضيا للقضاةء وبحكم أن قاضي القضاة هو سلطة التشريع العليا في المحاكم الشرعيةء فقد قام 
الشيخ شاكر بوضع لائحة ترتيب المحاكم الشرعية التي تناولت بالتفصيل شروط اختيار القضاة 
والموظفين لهذه المحاكم» واختصاصاتها وتقسيمها إلى غير ذلك من المسائل التنظيميةء والتانية اللائحة 
النظامية للمحاكم» وهي تتناول بعض المسائل الإجرائية التي تتعلق بالسير في الدعاوىء وثالثها لائحة 
الرسوم» وقد أدمجت لائحتا الترتيب والنظام في فترة لاحقة عندما تولى الشيخ المراغي منصب قاضي 
القضاة» وصارتا لائحة واحدة هي لائحة ترتيب ونظام المحاكم الشرعية مع إجراء بعض التعديلات 
والإصلاحات فيها كما أضيفت في فترة تالية الى هذه اللائحة لائحة أخرى هي لائحة المأذونين .هذا وقد 
حدد قانون المحاكم الشرعية الذي يعتبر الأساس في تكوين المحاكم الشرعية مسائل الأحوال الشخصية 
وعرفها وبين أن المذهب الذي يطبق هو الراجح من مذهب الحنفية إلا في المسائل التي يصدر فيها 
قاضي القضاة منشورات أو مذكرات قضائية فيعمل بما ينص قاضي القضاة عليه من آراء فقهاء الحنفية 
أو غيرهم من أئمة المسلمين وفقهائهم. وقد أصدر القضاة المتعددون الذين تعاقبوا على هذا المنصب 
العالي منشورات عديدة خرجوا فيها عن الراجح من مذهب الحنفية إلى غيره من مذاهب فقهاء المسلمين 
أو إلى غير الراجح من مذهب الحنفية أنفسهم لضرورة تستدعي ذلك وتسوجب تحقيق مصلحة لم يكفلها 
الراجح من مذهب الحنفية» وقد بلغت هذه المنشورات إلى قبيل عهد الاستقلال ثلاثة وخمسين منشوراء 
هذا فيما يختص بالمحاكم الشرعية التي أنيط بها تطبيق الشريعة الإسلامية في مجال الأحوال الشخصيةء 
أما المحاكم الأخرى فقد كانت تعتمد في قضائها على القوانين التي سنتها السلطة والتي تعتمد في جانبها 
الموضوعي على نظام القانون الإنجليزي مع الاستعانة بقوانين بعض البلاد التي كانت تحت التاج 
البريطاني؛ كالهند وبعض أقطار إفريقياء وقد أصدرت السلطة الصادرة عن الأساس المذكور جملة 
قوانين منها قانون العقوبات لسنة 1925 الذي حل محل قانون 1899 وقانون القضاء المدني 1925 
الناسخ للقانون المدني لسنة 1900 وقانون الشفعة لسنة 1928 وقانون وضع اليد وسقط الق 
بالتقادم لسنة 1928ء وجملة قوانين أخرى.! 
2- ليبيا : 

استطاعت الدولة العثمانية ضم ليبيا كولاية تابعة لها عام 1551 م » وكان يدير شؤونها باشا 
يعينه السلطان وظل الأمر هكذا إلى عام 1711م عندما استطاع أحمد باشا قرمانلي أن يستقل بحكم لبيبا 
عن الدولة العثمانية » وتلك الفترة من 1551: 1711م تسمى بالعصر العثماني الأول» واستمرت دولة 
القرمائلية في ليبيا من 1711: 1835م ليبدأ العصر العثماني الثاني في ليبيا عندما استطاع السلطان 


' خليفة بابكر الحسن » تاريخ القضاء في السودان من العبدلاب إلى الإستقلال » مقال منشور على موقع البيان الإلكتروي 
بتاريخ 22مايو 2002م 


110 


العثماني القبض على آخر حاكم من أسرة قرمانلي» واستمرت تلك الفترة حتى وقوع ليبيا تحت الاحتلال 
الإيطالي 1911م.! 
*التطور المذهبي الفقهي في التاريخ الليبي: 

إن ليبيا منذ الفتح الإسلامي حتى اليوم تغيرت عليها المذاهب الإسلامية وتعددت حتى 
استقرت على المذهب المالكي» كالمذهب الرسمي للدولة مع وجود بعض المذاهب الأخرى كأقليات 
توارثت مذهبها أو فكر جديد دخل حديثا وبدأ ينتشرء فخلال العهود الأولى للفتح الإسلامي كان المذهب 
المالكي هو المذهب السائد للمستقرين من العرب بينما انتشر خلال القرن الثاني الهجري المذهب 
الإباضي بين السكان الليبيين من البربر بالمناطق التي تواجدوا بها وكانت مدارس هذا المذهب وشيوخه 
تتواجد بالجبل الغربي وخاصة جادوء وفي القرن الرابع الهجري فرض ظهور الدولة الفاطمية في 
المهدية المذهب الشيعي على السكان بسبب التبعية السياسية للفاطميين وانتهى تواجد هذه المذهب في 
منتصف القرن الخامس الهجري » وعادت المالكية لليبيا حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي مع 
بداية العهد العثماني الأول الذي قدم بالمذهب الحنفي الذي كان السائد في الدولة العثمانية وانتشر هذا 
المذهب بشكر ضيق في المدن الكبرى وخصوصا طرابلس سواء بالوراثة أو بالتشيع لهذا المذهب. 

ويمكن ملاحظة آثار هذه المذاهب في المساجد القديمة بمدينة طرابلس » فمثلا البساطة 
الواضحة في جامع الناقة والذي يخلو من الزخارف والنحت وهو ما يعكس فلسفة الفكر المالكيء والثراء 
الفني الذي يزخر به جامع قرجي أو أحمد باشا في النحت والنقش والزخرف وجمال الأعمدة والذي 
يعكس فلسفة المذهب الحنفي. 
3- في تونس والجزائر: 

شهد القرن السادس عشر اقتتال القوتين العظميين في العالم - الإمبراطوريتين الإسبانية 
والعثمانية - للسيطرة على شمال إفريقياء بما في ذلك أفريقية .احتل العثمانيون القسطنطينية والبلقان في 
القرن الخامس عشرء وسوريا ومصر في أوائل القرن السادس عشر. وتحولوا بعد ذلك إلى منطقة البحر 
الأبيض المتوسط سعياً وراء إمكانية توسيع إمبراطوريتهم. ومع بداية القرن السادس عشرء كان الأسبان 
قد احتلوا عذة مواقع إستراتيجية في منطقة البحر المتوسطء بما فيها طرابلس وبجاية والمرسي الكبير 
ووهران» وأبرمت معاهدات مع مدن أخرى كالجزائر وتونس. وبحكم موقعها القريب من تونس»› 
استولت إسبانيا على ميناء حلق الوادي في نهاية المطاف. شجع احتلال إسبانيا لمواقع إستراتيجية عديدة 
في منطقة البحر المتوسط وإفريقية الكبرى العثمانيين على التوسع باتجاه شمال إفريقيا للحد من سيطرة 


أ أحمد معمور العسيري > مرجع سبق ذكره > ص 392» 203 


111 


الأسبان على المنطقة. شكل العثمانيون تهديداً أكبر من الأسبان على حكام السلالة الحفصية!؛ مع أن 
العديد من المسلمين العرب وعلماء الدين فضلوا الحكم الإسلامي على الحكم المسيحي. بدأ الحكم 
العثماني في شمال إفريقيا من قبل الأخوين عروج وخضر (بربروس) اللذين جاءا إلى تونس كقائدين 
للقراصنة العثمانيين وسفن القرصنة والقراصنة العاملين من شمال إفريقيا وفي عام 1581ء دخل 
العثمانيون في هدنة مع إسبانياء مما سهّل العلاقات بين القوتين فتقاسما الحكم بينهما في شمال إفريقيا: 
حكم العثمانيون أفريقية حتى القرن التاسع عشر.” 

خلال السنتؤات”التالية»“ كان العثمائيون. الأمة.الإسلامية الزائدة في :الخال وأطلق. على السلطان 
العثماني لقب الخليفة. وكان للحكم العثماني تأثير كبير على التاريخ الثقافي والقانوني التونسي. فعلى 
سبيل المثال». فضتل العثمانيون المذهب الحنفي على المذهب المالكي التونسي» لكن سمح لبعض الفقهاء 
المالكيين بإصدار الأحكام .وليس أدل على هذا من قيام العثمانيين ببناء مدارس تكون بمثابة مراكز لنشر 
المذهب الحنفي في تونسء فكانت أول مدرسة هي المدرسة اليوسيفية التونسية نسبة إلى يوسف داي 
الذي حكم من 1610م : 1637م » وبنى في ناحية القصبة أول جامع على المذهب الحنفي في تونس 
سنة 1612م» وهذا ما أشار إليه د. محمد الباجي بن ماميء في كتابه (جوامع مدينة تونس في العهد 
العثماني دراسة تاريخية وفنية ومعمارية) 

أثرت اللغة التركية العثمانية على نحو متزايد على نخبة رجال الأعمال والكتاب في تونس» 
وأبرزت انقسامات لغوية فيها من خلال تفضيل اللغة العربية على البربرية» التطور الذي يمكن ملاحظته 
بشكل واضح في تونس الحالية. والجدير بالذكر أن الدولة العثمانية لم تستطع أن تفرض أو تنشر 
المذهب الحنفي في تونس والجزائرء مثلما فعلت في مصر والسودان» وهذا راجع أولا إلى بعد المنطقة 
عن مقر الحكم في تركياء إلى جانب الوجود الفرنسي والإسباني الذي قلص من دور الدولة في بسط 
نفوذها بشكر كامل على تلك المناطق» إلى جانب قوة نفوذ الأسر الحاكمة في تلك المناطق والتي كانت 
تدين بالمذهب المالكي» أصبح مذهبا راسخا عندهم لا يعدو به مذهباء ولكن مع ذلك ظلت بقية باقية ممن 
يدينون بالمذهب الحنفي حتى الآن والفضل في ذلك يرجع إلى الدولة العثمانية» فمثلا في تونس يدين 
حوالي %85 من الشعب التونسي بالمذهب المالكي» و %15 بالمذهب الحنفي. 
خاتمة البحث 

الدولة العثمانية كأي نظام حكم له ما له وعليه ما عليه» وإنما أردت أن أسلط الضوء على 

هذا الجانب وهو المتعلق بدور الدولة العثمانية في نشر المذهب الحنفي في إفريقيا (مصر والسودان» 


أ والحفصيون ينسبون الى أبي حفص عمر بن يحيي الهنتاني أحد العشرة من أصحاب ابن تومرت » واشتهر من أبنائه عبد 
الرحمن وعبد الله المدعو عبو أبو زكريا مؤسس الدولة ومحمد اللحياتي (مبارك بن محمد الميلي الجزائري » مبارك 
بن محمد الميلي الجزائري ٠»‏ المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائر » ط1406 هه /2986م . ج2 › ص382 ) 

* مبارك بن محمد الهلالي » تاريخ الجزائر القديم والحديث » مكتبة النهضة الجزائرية » ص43 44 


112 


وتونس والجزائر) لأوضح من خلال ذلك أن الدولة العثمانية إنما هي دولة سنية تدين بمذهب سني وهو 
المذهب الحنفي » ومن جانب آخر مهم هو معرفة المناطق التي كان بها نفوذ عثماني في إفريقيا 
والمناطق الأخرى التي كان يضعف فيها هذا النفوذء إذ من خلال دراسة المناطق التي كانت تابعة للدولة 
العثمانية ومدى انتشار المذهب الحنفي في تلك المناطق نستطيع أن نقيم مدى نفوذ العثمانيين في تلك 
المناطق» وهذا ما يتضح لنا من خلال البحثء وهو أن مصر والسودان كانتا أكثر اس تجابة للمذهب 
الحنفي عن تونس والجزائر مما يعكس أن النفوذ العثماني فعلا كان أقوى في مصر والسودان عنه في 
تونس والجزائرء وأن تحول هذا النفوذ إلى تبعية أسمية بعد ذلك» لظهور محمد علي في الأحداث 
وسيطرته على ولاية مصر وحكمها بموجب امتيازات وافقت الدولة العثمانية بعد ذلك عليهاء إلا أن 
التبعية ظلت للدولة العثمانية. 


إن لوجود العثمانيين في إفريقيا أثرا في أمور كثيرة من جوانب الحياةء سواء أكان إيجابيا أو 


لكن يسترعى الانتباه أنه على الرغم من اتخاذ الدولة العثمانية للمذهب الحنفيء مذهبا رسميا 
لهاء وهو مذهب قائم على الاجتهاد والاستدلال والرأيء إلا أن الدولة العثمانية لم تتأثر بروح هذا 
المذهب» فبدلا من أن نرى اجتهادا حقيقيا وإثراء للفقه مع ما يجري من مستجدات الأحداث والأمورء 
أغلق باب الاجتهاد وهذا من المتناقضات. 

على أية حال إذا كان ضعف الدولة العثمانية في نهاية الأمر سبب طمع الغرب في بلاد 
المسلمين في إفريقيا وآسياء إلا أن العثمانيين كانوا بمثابة الدرع الحامي للعالم الإسلامي على مدار أربعة 
قرون» ضد الهجمات الصليبية التي كانت تستهدف العالم الإسلامي» وليس أدل على ذلك أنه بضعف 
سلطان العثمانيين» مابرحت الدول الإسلامية مطمعا لدول الاستعمار الغربي. 


113 


قائمة بالمصادر والمراجع 
طه عبد العليم رضوانء في جغرافية العالم الإسلامي» مكتبة الأنجلوء القاهرة 1977ء 122/1 


أولا : المصادر: 
- ايو عمرو خليفة بن خياطء تاريخ خليفة بن خياط» تحقيق أكرم العمري» مؤسسة الرسالة» بيروت» ط22» 
7 ها 


2- أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازيء طبقات الفقهاءء تحقيق إحسان عباس» دار الرائد العربي» بيروت - 
لبنان» الطبعة: الأولى» 1970 

3- عز الدين ابن الأثيرء الكامل في التاريخ؛ تحقيق: عمر عبد السلام تدمري» دار الكتاب العربي» بيروت - 
لبنان » ط1ء 1417ه / 1997م 

4- شمس الدين الذهبي» سير أعلام النبلاءء تحقيق: محمد أيمن شبراويء دار الحديث؛ د.طء 1427ه / 2006م 

5- شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قايْماز الذهبي» مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه» لجنة 
إحياء المعارف النعمانية» حيدر آباد الدكن بالهندء الطبعة: الثالثة» 1408ه 

6- أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثيرء البداية والنهايةء دار الفكرء د.ط » 1407 ه - 1986 م 

7- جلال الدين السيوطي» تاريخ الخلفاء» تحقيق: حمدي الدمرداش» مكتبة نزار مصطفى البازء» 
ط1:1425ه-2004م 

8- شهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني» نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» وذكر وزيرها لسان 
الدين بن الخطيب تحقيق: إحسان عباس» دار صادر- بيروت ط1 1997 

9- شهاب الدين السلاوي؛ الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصىء تحقيق: جعفر الناصريء دار الكتاب» الدار 
البيضاءء د.ط» 1954م 

ثانيا : المراجع : 

0- أحمد أمين» ضحى الإسلام» الهيئة المصرية العامة للكتاب» ط2ء د.ت0 

1- أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور المعروف ب «الشاه ولي الله الدهلوي»»› 
الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف» تحقيق: عبد الفتاح أبو غدةء دار النفائس - بيروت» ط2ء 1404ه. 

2- أحمد تيمور باشاء نظرة تاريخية في حدوث المذاهب الفقهية الأربعة وانتشارها عند جمهور المسلمين» لجنة 
نشر المؤلفات التيمورية» 1389 ه / 1969م 

3- أحمد شلبيء تاريخ التشريع الإسلامي وتاريخ النظم القضائية في الإسلام » مكتبة النهضة المصرية؛ ط2ء 
1م 

4 - أحمد معمور العسيري» موجز التاريخ الإسلامي منذ عهد آدم عليه السلام إلى عصرنا الحاضرء فهرسة 
مكتبة الملك فهد الوطنية - الرياض؛ ط1ء 1417ء / 1996م 

5 - أكمل الدين إحسان أوغلوء الدولة العثمانية تاريخ وحضارة»ء ترجمة: صالح سعداوي» مركز الأبحاث 
للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية» استانبول» د.ط» 1999م 

6- البرت حوراني - الفكر العربي في عصر النهضة ‏ دار النهار» د.ط بيروت 1977م 

عبد الفتاح عبد الصمد منصورء العلاقات المصرية السودانيةء الهيئة المصرية العامة للكتاب» 1993 م 


114 


7 -حسن أحمد محمودء الإسلام والثقافة في أفريقياء دار الفكر العربيء د.طء 1986 م 

8-حسين مؤنسء أطلس تاريخ الإسلام» د.ن» د.طء د.ت 

9 دونالد ولبر- ايران ماضيها وحاضرهاء ترجمة د.عبد النعيم محمد حسنين» دار الكتاب المصري القاهرة 
دار الكتاب اللبناني بيروت» ط2 1405ه ‏ 1985م 

0- رزق الله منقريوس الصرفي - تاريخ دول الاسلام» الدار العالمية» مطبعة الهلال بالفجال بمصر سنة 
62 - 1908معد.ط 

1- سعد الانصاري - العلاقات الإيرانية العراقية خلال خمسة قرون» دار الهدى بيروت - لبنان ط1 ه1407 
1987م 

2- شفيق جحاء منير العلبكي» منير عثمان» المصور في التاريخ» دار العلم للملايين» د.ط ءد.ن 

3- عبدالرازق ابراهيم عيسى» تاريخ القضاء في مصر العثمانية 1517- 1798ء الهيئة المصرية العامة 
للكتاب- القاهرة 1998ء د.ط 

4- عبد الرحيم عبد الرحمن عبد الرحيم - تاريخ العرب الحديث والمعاصرء دارالمتنبي للنشر والتوزيع» 
الدوحة ‏ قطرء ط3»› 1402ه 1982م 

5- عصام محمد» .قاضي القضاة في الإسلام» دار النهضه › بيروت - لبنان » د.ط » د.ت 

6-عمر سليمان الأشقرء تاريخ الفقه الإسلامي» دار النفائس» عمّانء الأردنء ط3ء 1412ه /2003م 

7-عمر عبد العزيزء تاريخ المشرق العربي (1516:1922م).» دار المعرفة الجامعية - الأسكندرية - » د.ط 
0م 

8- علي الورديء لمحات اجتماعية من تاريخ العراق» مطبعة الرشادء بغدادء د.ط 1971م 

0-مبارك بن محمد الهلالي › تاريخ الجزائر القديم والحديث » مكتبة النهضة الجزائرية 

1-مبارك بن محمد الميلي الجزائري › المؤسسة الوطنية للكتاب - الجزائرء ط1406ء/2986م 

2-محمد الخضريء تاريخ التشريع الإسلاميء دار الفكر العربي- بيروت»ء 1414ه/ 1995م 

3-محمد بركات البيلي» دراسات في تاريخ الدولة العباسيةء د.ن » د.ط › 2004م 

4- محمد بن الشيخ خليفة بن أحمد بن موسى النبهاني الطائي ‏ التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية» 
دار إحياء العلوم» بيروت ط1 1406- م/ 

5-محمد عميم الإحسان المجددي البركتيء التعريفات الفقهية» دار الكتب العلميةء الطبعة: الأولى» 1424ه 

6-محمد فريدء تاريخ الدولة العلية العثمانية » تحقيق : إحسان حقيء دار النفائسء بيروت - لبنان» ط1ء 
1م/ 1981م 

7- محمود شاكرء التاريخ الإسلامي؛ المكتب الإسلامي- بيروت » ط4» 1421ء /2000م 

8-هشام يسري العربي» جغرافية المذاهب الفقهيةء د.ن » ط1 » 1426ء/ 2005م » 

9-وجيه كوثراني - الاتجاهات الاجتماعية. السياسية في جبل لبنان والمشرق العربي 1860 1920ء معهد 
الانماء العربي ‏ بيروت 1976م » بحث منشور 

0-وهبي سليمان غاوجي - ابو حنيفة النعمان إمام الائمة الفقهاءء دار القلم دمشق ط 4» 1407ه 1987 


115 


1-يلماز أوزتوناء موسوعة تاريخ الأمبراطورية العثمانية» السياسي والحضاري والاجتماعي» ترجمة عدنان 


محمود 


ثالثا : رسائل علمية ودوريات : 

2- أحمد عبد الحميد مهديء القضاء في عهد الدولة العثمانيةء بحث منشور ضمن فاعليات مؤتمر بعنوان 
(تاريخ القضاء وأحكامه) › كلية العلوم الإسلامية» جامعة المدينة العالمية» شاه علم - ماليزيا 

3- أحمد محمد نصير الدين النقيب» المذهب الحنفي - مراحله وطبقاته > ضوابطه وألفاظه؛ خصائصه 
ومصطلحاته؛ رسالة ماجستير منشورة»ء جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض» 1419ء / 1998م. 

4- أسعد عبد الغني السيد الكفراوي» جغرافية المذاهب» بحث منشور في موسوعة التشريع الإسلامي 

5- عبد العزيز بايندرء الأعمال القضائية في الدولة العثمانية» مقال منشور على صفحة الويب» بتاريخ» 3/ 10/ 
2 م 

6-مجلة الاجتهاد عدد 3 ربيع 1989 خالد زيادة ‏ دور فئة الكتاب والاداريين في علمنة الدولة العثمانية 

ص 169 

7-عبد الله ربيع عبد الله محمدء أصول المذاهب الفقهية» بحث منشور ضمن موسوعة التشريع الإسلامي» 
المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميةء القاهرة» 1427ء / 2006ء» 

رابعا : مواقع إلكترونية : 

8-خليفة بابكر الحسن» تاريخ القضاء في السودان من العبدلاب إلى الاستقلال » مقال منشور على موقع البيان 

الإلكتروني بتاريخ 22مايو 2002م. 

9- عبد العزيز بايندرء الأعمال القضائية في الدولة العثمانية» مقال منشور على صفحة الويب» بتاريخ» 3/ 
0 2012م0 

0- مشاعل عبد العزيز اسحاق الهاجريء مجلة الأحكام العدلية العثمانية في الكويت العربية» مقال منشور 
بتاريخ 24/ 4/ 2014م: 

2/02/05 tibas.wordpress.com/201اhttps://e/‏ جل ةا لأحك امح العدلية-العثمانية 

1- عبد الكريم سمك» مشيخة الإسلام في الدولة العثمانية» 

0 لان /.١21>انا|3.‏ الالالا/لا// :10 بحت منشور بتاريخ 22/ 2014/3 


www.ibnamin.com/abu_hanifa.htm5-— 


116